البُنى التحتية... والغاز كوقود للسفن
إن الحاجة إلى تأمين الوقود لوسائل النقل المختلفة تتنامى بوتيرة تصاعدية، مدفوعةً من حاجة البشر المستمرة للتنقل، والنمو المتواصل في تعداد سكان العالم، ومحدودية الاحتياطي العالمي من النفط، آخذين في الاعتبار ما أشارت له وكالة الطاقة الدولية (IEA) أن 50% تقريباً من النفط يُستخدم في تلبية احتياجات وسائل النقل، وملاحظتها نحو زيادة مُساهمة أنواع الوقود البديل في مزيج الطاقة العالمية ومتطلبات قطاع النقل، ما يجعل التوجه يتنامى تدريجياً في السنوات القادمة نحو استخدام الغاز الطبيعي المسال (LNG)، خاصةً للسفن وأنشطة النقل البحري، كونها واحدة من أقدم وأكبر الصناعات في العالم، حيث تُسيطر على ما يزيد عن 85% من متطلبات النقل والشحن العالمية، والأمر ليس مُقتصراً على السفن، بل كذلك على البُنية التحتية اللازمة لعمل تلك السفن، والتي تُعد ضَرورة لاستمرار النمو في مجال استخدام الغاز كوقود.
هنالك عدة فوائد تشغيلية وعوائد اقتصادية على ملاك السفن من استخدام الغاز الطبيعي المسال، كانخفاض التكاليف التشغيلية من ناحية تكلفة التزود بالوقود والصيانة، وتنفيذ المتطلبات البيئية المختلفة لتتماشى مع كافة معايير الانبعاثات الحالية والمستقبلية. بالمقابل، فإن محدودية المرافق وآليات إمداد وتَزويد السفن بالغاز بالموانئ العالمية، والتكلفة المرتفعة للمحركات وأنظمة حقن الغاز، وحجم الخزانات اللازمة للعملية ومحدودية المساحة بالسفن المتوفرة بالخدمة حالياً، مما يعني خسارة بعضها وخاصة السفن التجارية والحاويات لجزء من قدرات الشحن لإفساح المجال لتركيب خزانات الغاز الطبيعي المسال، تُعد تحديات تُعيق تطور استخدامه، هذا بالإضافة إلى عدم توفر تكلفة واضحة ومعروفة بالنسبة لتزويد السفن بالغاز الطبيعي المسال، حيث أنها تعتمد إلى حد كبير على الموقع والبنية التحتية المتاحة.
ولو نظرنا إلى الآليات المتاحة والمستخدمة حالياً لتزويد السفن والعبّارات بالغاز الطبيعي فهي غالباً ما تكون باستخدام شاحنات مُخصصة لتزويد الوقود، وهي تشبه عملية تزويد الطائرات بالوقود من خلال مقطورة مزودة بصهريج للوقود، ما يعني اقتصار قدرات تزويد السفن بالوقود على القدرات التخزينية لتلك الصهاريج والتي عادة تكون بحجم يتراوح بين 50 إلى 80 متراً مكعباً، ما يجعلها مُلائمة لتزويد السفن ذات الأحجام الصغيرة، أو عن طريق أنابيب ومرافق ثابتة لتزويد الغاز الطبيعي، ما يتطلب مرافق للتخزين وأرصفة مخصصة لهذه العملية بالموانئ، وهو ما لا يتواجد بشكل كبير حالياً، هذا بالإضافة إلى التزود بواسطة البوارج البحرية أو السفن المخصصة لتزويد السفن بالوقود.
إن موانئ عديدة حول العالم وخاصة الأوروبية تتطلع لتطوير هذه الإمكانيات بالمستقبل القريب، حيث استثمرت العديد من الدول في تطوير منشآت تزويد الغاز الطبيعي ضمن جهودها لدعم خطط الاتحاد الأوروبي لتفعيل دور الغاز في استراتيجية النقل لعام 2020، فقد طُوّرت بعض البنى التحتية، ويتم إنشاء مرافق مخصصة لتزويد السفن بالغاز الطبيعي في أكبر ميناءين في أوروبا وهما، ميناء روتردام بهولندا وأنتويرب ببلجيكا، سواء من خلال كيانات حكومية أو القطاع الخاص، كما منحت الموانئ السنغافورية تحالف شركتي كيبيل للاستثمار (KS Investments) وشركة (BG Group) حق امتياز لتزويد الغاز الطبيعي من خلال سفن تزويد الوقود . (LNG bunkering)
فخلافاً على كون جدوى التحول إلى الطاقة النظيفة أو الغاز الطبيعي المسال للسفن من الناحية الاقتصادية ليست مُثبتة بالنسبة لشركات النقل البحري حتى الآن، سيبقى تحدي عدم توفر البنية التحتية الملائمة لتزويد السفن بالغاز الطبيعي المسال بمختلف موانئ العالم ليشكل عائقا أمام مستقبل نموها، ولتحقيقها سيتوجب على صناع القرار النظر في جميع العوامل المباشرة وغير المباشرة المؤثرة في تطورها، حيث أن دولاً مختلفة تتطلع إلى استخدام الغاز الطبيعي المسال بحلول عام 2020 سواء في آسيا أو أوروبا، ولدى غالبيتها القدرة على توفير الإمكانيات الفنية لتحقيق ذلك، ويبقى التحدي أمامَها في التَغلب على جَدوى تطبيقها في ظل المبالغ الضخمة اللازمة لتوفير هذه البنى التحتية بدولها من جهة، وكُلفة تطبيقها على السفن المختلفة من جهة أُخرى، ووضع الآليات التمويلية المناسبة التي من شأنها جعل العملية مُجدية تطبيقيا واقتصاديا.
